ابن العربي

243

أحكام القرآن

فإن قيل : أنكرتم الإجمال في الآية ، وما أوردتموه من البيان والشروط هو بيان ما لم يكن في الآية مبيّنا ، ولا يوجد عنها من القول ظاهرا . قلنا : هذا سؤال من لم يحضر ما مضى من القول ، ولا ألقى إليه السمع وهو شهيد ، وقد توضّح في مسائل الكلام أنّ جميع ما أحلّ اللّه لهم أو حرّم عليهم كان معلوما عندهم ؛ لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم ، فقد أطلق لهم حلّ ما كانوا يفعلونه من بيع وتجارة ويعلمونه ، وحرّم عليهم الربا وكانوا يفعلونه ، وحرّم عليهم أكل المال بالباطل وقد كانوا يفعلونه ويعلمونه ويتسامحون فيه ؛ ثم إنّ اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلقى إليهم زيادة فيما كان عندهم من عقد أو عوض لم يكن عندهم جائزا ، فألقى إليهم وجوه الرّبا المحرمة في كل مقتات ، وثمن الأشياء مع الجنس متفاضلا ، وألحق به بيع الرطب بالتمر ، والعنب بالزبيب ، والبيع والسلف ، وبيّن وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر كله أو ما لا قيمة له شرعا فيما كانوا يعتقدونه متقوّما كالخمر والميتة والدم وبيع الغشّ ، ولم يبق في الشريعة بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في الباب ، وبقي ما وراءهما على الجواز ؛ إلّا أنه صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لا يصحّ ستة وخمسون معنى نهى عنها . الأول والثاني ثمن الأشياء جنسا بجنس ، والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع بيع المقتات أو ثمن الأشياء جنسا بجنس متفاضلا ، أو جنسا بغير جنسه نسيئة ، أو بيع الرطب بالتمر ، أو العنب بالزبيب ، أو بيع المزابنة على أحد القولين ، أو عن بيع وسلف ؛ وهذا كلّه داخل في بيع الربا ، وهو مما تولّى الشرع تقدير العوض فيه ، فلا تجوز الزيادة عليه . الثامن بيعتان في بيعة . التاسع بيع الغرز « 1 » ، وردّ بيع الملامسة والمنابذة والحصاة « 2 » ، وبيع الثّنيا ، وبيع العربان وما ليس عندك ، والمضامين ، والملاقيح ، وحبل حبلة « 3 » ؛ ويتركّب عليهما من وجه بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وبيع السنبل حتى يشتدّ ، والعنب حتى يسودّ ، وهو مما قبله ، وبيع المحاقلة والمعاومة والمخابرة والمحاصرة ، وبيع ما لم يقبض ، وربح

--> ( 1 ) في ل : بيع الغربة . وهو تحريف . وبيع الغرر : ما كان له ظاهر لغير المشترى وباطن مجهول . ( 2 ) بيع الحصاة : هو أن يقول أحد العاقدين : إذا نبذت لك الحصاة فقد وجب البيع . ( 3 ) الحبل - محركة : مصدر ، سمى به المحمول كما سمى بالحمل ، وإنما دخلت التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فالحبل يراد به ما في بطون النوق من الحمل . والثاني حبل الذي في بطون النوق . ( النهاية ) .